فؤاد سزگين
210
تاريخ التراث العربي
هذا ويعبّر جابر عن إيمانه بالترتيب الرياضي في عالم المادة وبتفسير إمكانية التحولات الكيفية للمواد على أساس كمي ، يعبر عنه أوضح ما يمكن في نظرية الميزان التي سماها : علم الميزان ، حيث يفهم جابر فيها « الحقيقة التي مفادها أن خواص الأشياء قابلة للوزن وبخاصة في مجال الكيمياء وأنها تقوم علي نسب عددية محددة . فإذا ما فقد الخل طعمه الحامض بالمرداسنج « bleiglatte » ، على سبيل المثال ، فقد كان للخل أصلا تركيب معين يعبر عنه بالأرقام ، تغير بالمرداسنج الذي يمكن تصوره بمفهوم عددي كذلك . وعليه لا يتوقف ظهور الخواص ، وفي هذه الحالة قدرة المرداسنج على تغيير الخل ، على المصادفة وإنما على طبيعة الجسم الباطنة ، والتحكم في تغيير هذه الطبيعة هو مهمة التدبير الكيميائي ، فإذا كان للخواص تعليل رياضي كان للتدبير مشروعيته وبالتالي - كما يرى جابر - تأكدت صحته . وبهذه الطريقة ، يصبح علم ميزان الأجسام ناموس الأشياء الرياضي في الكون ، يبين ترتيب الأشياء وتجانسها ، فهو يظهر في كل شيء مهما كان صغيرا ، كما أنه من جهة أخرى المفهوم المجرد العظيم لعالمنا . فالميزان صورة رمزية لترتيب العالم على افتراض أنه لا يمكن وجود سوى تعليل رياضي واحد للخواص وأن هذا التعليل جليّ بذاته ولا يفهم تارة بهذا الشكل وتارة بشكل آخر ، وباختصار أنه ليس هنا سوى نمط واحد من الميزان وأصل أعلى واحد للعالم « 1 » » . وهكذا ينبغي أن ترجع كل معطيات العلم البشري إلى نظام الكمية والميزان ، إذا ما أريد لها أن تتصف بصفة العلم الدقيق « 2 » . ولقد حاول جابر ، انطلاقا من هذه النقطة ، أن يخضع كل ما وصل إليه من فروع العلم أن يخضعه للميزان بعناية ، كما حاول تمحيص كل ما عرف من تجارب العلماء القدامى وتصحيحها . فلقد ، عرف على سبيل المثال ، نظريات الأطباء القدامى المتعلقة بالأخلاط الأربعة وصلاتها بالعقاقير ، كما عرف الأغذية والأدوية الموصوفة لهذا الغرض . لكنّ تصنيف القدامى وحتى المنهج
--> ( 1 ) كراوس : التقرير السنوي الثالث drit terjahresbericht ص 25 - 26 . ( 2 ) كراوس ii ، ص 187 .